ابن يعقوب المغربي

394

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

المقام في الباقي مقام الرعاية ، وكان عدم الرعاية خروجا عما يناسب المقام الذي أورد فيه ذلك البعض بعد إيراده ، وعلى هذا يكون المراد بالمقام ما هو أعم من مقام مراعاة صفة الكلام ، ومقام اقتضاء إيراده تأمل . وقيل إن الحذف هنا لترك مواجهة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بإيقاع لفظ القلى على ضميره ، ولو كان منفيا واستبعد من جهة إيقاع ودع على ضميره ، والحق أن لفظ ودع ليس كلفظ قلى فتدبر . ( وإما لاستهجان ) أي استقباح ( ذكره ) أي : ذكر المفعول ( كقول ) السيدة عائشة رضى اللّه تعالى عنها ( كنت أغتسل أنا ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من إناء واحد فما رأيت منه ولا رأى منى ) " 1 " أي : ما رأيت منه ( العورة ) ولا رآها منى ، ولا يخفى استثقال المتمشدق بذكر العورة ، والاستهجان هنا ، فلو مثل بغيره كان أحسن . على أنه يجوز أن يراد : ما رأيت منه شيئا من الجسد المستور ، ولا رآه منى ؛ مبالغة في الاحتشام المانع من ملاحظة جهة كل منهما من الآخر صلّى اللّه وسلم على نبينا ، ورضى عن سيدتنا عائشة . وقيل : يحتمل أن يكون حذف المفعول هنا للمبالغة في التستر اللفظي موافقة للتستر الحسى ، وهذا غير الاستهجان قطعا ؛ لأن الشيء قد يناسبه الستر من غير أن يكون في ذكره استهجان ( وإما لنكتة أخرى ) أي : الحذف للمفعول إما لما تقدم ، وإما لنكتة أخرى غير ذلك كإخفائه على السامعين خوفا عليه ، أو منه كما يقال : الأمير يحب ويبغض عند قيام قرينة عند المخاطب دون بعض السامعين على أن المراد يحبني ويبغض ذلك الحاضر ، فيقوله المتكلم خوفا على نفسه أن يؤذى حينئذ على نسبة محبة الأمير إليه ، أو خوفا من السامعين أن يؤذى منهم بنسبة بغض الأمير إليهم ، وكالتمكن من إنكاره إن مست الحاجة إلى الإنكار ، كما يقال لعن اللّه وأخزى ويراد ( زيد ) عند قيام القرينة عليه ؛ ليمكن الإنكار للمتكلم إن نسب إليه لعن زيد ، وطولب بموجبه ؛ لأن الإنكار مع القرينة المجردة أمكن من الإنكار عند التصريح ، وكتعينه كما يقال نحمد ونشكر أي : اللّه تعالى لتعين أنه هو المحمود أو ادعاء

--> ( 1 ) قولها : " كنت أغتسل أنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من إناء واحد " مخرج في الصحيحين ، وأما قولها : " فما رأيت منه ولا أرى منى " في سنده كذاب وضاع كما قال الشيخ الألبانى في " آداب الزفاف " ( 34 ) ، ومع كونه لا يصح فإنه يخالف الصحيح الذي قبله .